في احد الايام المتشابهة– امام الكهف

لم يكن يعلم روبين ما إن كان اليوم هو السبت ام الاربعاء، كل شئ اصبح يشبه بعضه، لكن على الاقل كان هذا هو افضل وقت في اليوم بالنسبة لروبين، الوقت حيث يتأمل في القوانين السماوية حوله!

و لم يكن التأمل في القوانين السماوية صعباً جداً في الحقيقة، او يجدر القول انه ليس من الصعب إيجاد قانون معين للتأمل في تفاصيله، فكل شئ يحدث حوله يمكن ربطه بقانون!

مشاهد تساقط الأوراق مثلاً أسره للحظات بينما يفكر في ما يراه.. أهذا يمكن نسبه لقوانين مسار الرياح الذي حمل الاوراق و جعلها تترنح بهذه الخفة أو لقوانين مسار النباتات لأنها الاوراق جفت و هذا ما جعلها ضعيفة تحملها الرياح؟ و تلك الأحجار الصغيرة المُتدحرجة من قمة الجبل، أيمكن نسبها لقانون الجاذبية ام لمساري الرياح و المياه التي أرخت التربة و تسببوا في تحريك الاحجار من الاساس؟

أينما نظر يجد قانون محتمل.. لكن ماذا بعد؟

بالفرض انه استقر على احد القوانين الثانوية المتواجدة في الطبيعة و قرر التركيز على دراسته بشكل كامل، أي قانون ثانوي عشوائي من هذه المسارات المتناثرة سيستغرقه عشرات السنوات لإتمامه، لهذا حتى بعد مرور شهور على وصوله للكهف، لم يكن متسرعاً في قراره..

لكن ما حيره فعلاً ان طوال فترة جلوسه لم يستطع تحديد مسار واحد غير مكتشف، كل ما قام بتحديده كانت قوانين ثانوية لمسارات موجودة بالفعل و معروفة!

*اعلم ان استيعاب المسارات صعباً، لكن مجرد إكتشافها بهذه الصعوبة؟!* فكرة روبين و حاجباه يهتزان

هنالك بالفعل بضع مسارات رئيسية مُكتشفة لكن لم يتمكن احد من إستخراج القانون الرئيسي الخاص بها منذ فجر التاريخ بسبب صعوبتها.. كمسار الفضاء و الظلام و الزمن مثلاً ، مع ان تلك المسارات لا يمكن نكران وجودها و يدرك الجميع انها حولهم، إلا ان كل الحكماء الذين جربوا التواصل معها قالوا ان الأمر مستحيل

نظام استخراج القوانين الحالية تعتمد بالكامل على التأمل في القانون و محاولة نسخ اثاره عن طريق الطاقة الداخلية، لكن من قد يتأمل في شئ بلا معالم واضحة؟

مثلاً روبين الان يعرف ان كل شئ حوله هى اشياء متواجدة داخل حيز فضائي، لكن بوجود كل تلك الماديات داخل الحيز الفضائي، كيف يكون الفضاء فضاءً و قمت إمتلئ؟ كيف يمكن استخراج قانون لشئ و انت لا يمكنك ايجاد هيئة الخالصة لتتمعن فيه؟

*ربما المفتاح لذلك هو–؟!*

“اااه إن اقتربت مني ايها النمر القذر سأقتلك!!”

“..أهذا صوت فتاة؟ ماذا تفعل فتاة هنا؟ ..هيه~” صرخة اخرى جائت من بعيد اجبرت روبين على التنهد و هز رأسه

هذه لم تكن اول مرة يوشك فيها على الوصول لطرف خيط و تقاطعه صرخة استغاثه، لكنه لم يغضب هذه المرة ايضاً و قام و بدأ يتحرك نحو مصدر الصوت

كالعادة تقدم بسرعة نحو الشخص مستغيث و كالعادة وجد لنفسه موقع جيد لإعداد كمين و انتظر…

فقط بعد بضع ثوان ظهرت فتاة مراهقة نحيفة تركض بكل قواتها، حتى مع ملامحها المنزعجة كانت جمالها ظاهر حتى للأعمى!

و يركض خلفها مباشرةً نمر اسود ضخم في المستوى العاشر!

عقد روبين حاجبيه قليلاً عند رؤية هذا المنظر، فتاة في مثل هذا العمر لا يجب ان تكون لديها القوة الكافية للهرب من وحش في المستوى العاشر!

لكنه لم يضيع بالتفكير اي وقت و ظل مركزاً على مهمته، في اللحظة التي اقترب فيها النمر الاسود لمسافة معينة قفز روبين من مخبئة و ارسل ركلة قوية لقدم النمر الخلفية لعركلته، بعدها صعد فوقه بسرعة و بلكمة واحدة قام بتحطيم مؤخرة رأسه!

اولائك في اساس الطاقة لا يمكنهم ارسال هجمات بعيدة المدي، التعارك مع وحوش ضخمة تمتلك انياب و مخالب وجهاً لوجه لم يكن حكيم ابداً…

“انت.. من اخبرك ان تنقذني؟ من قال اني احتاج لإنقاذ؟!”

نظر روبين بجانب عينه للأنسة الصغيرة التي تحولت ملامحها من الانزعاج للغضب، لكنه اكتفى بالإبتسام و هز رأسه، ثم بدأ يُقطع الفخذ الامامي للنمر الأسود…

خلال الشهور الماضية لم يُكلم فيها احد سوى نفسه، حتى من ينقذهم يتركهم و يغادر بإبتسامة على وجهه حتى لا يبني شئ شخصي مع اولائك الاشخاص و حتى لا يطلب منهم احد ان يرافقه او شئ كهذا، لذا حتى إن كانت هذه الفتاة غير ممتنة فلا يهم، لحم النمر الاسود ليس سئ ايضاً…

“ايها الـ..؟!” ضربت الفتاة قدمها في الارض عندما رأت ردة فعل روبين، ثم نظرت لأعلى و صاحت، ” العمل براون، انا لم رأيت اني لم اطلب مساعدة، هذا مجرد عامل خارجي، لو ذكرت هذا في التقرير فسأغضب عليك!!”

السكين في يد روبين توقف عندما سمع تلك الكلمات و عيناه فُتحت على اخرهما، لم يجرؤ ان يتنفس بصوت عالٍ في تلك اللحظة، *هنالك شخص اخر في الجوار؟ كيف لم اشعر به؟!*

“اعلم اعلم، يمكنك المتابعة نحو مدينة يورا ايتها الشقية، لقد استغرقنا ما يكفي في الطريق..”

*بادوم*

العرق بدأ يتصبب من رأس روبين بغزارة، مع ان ذلك الشخص لم يبدي اي نية قتل نحوه إلا ان صوت القادم من كل اتجاه و انه حتى بعد سماع صوته لم يكن قادر على تحديد مكانه كان كفيل بفضح مستوى قوي، انه ليس شخص يمكن لروبين الحالي مسح حذاءه!!

لو هو فعلاً تدخل في شئ يخص تلك الفتاة و هى قررت انه عليه الموت، فذلك الشخص سوف…

“هاي انت! انا، ميلا برادلي، لم اطلب مساعدتك.” حبل افكر روبين قوطع بصوت انثوي قادم من الخلف، “…لكن نيتك كانت جيدة و على الاقل الان العمل براون لن يتدخل لإنقاذي، انا ادين لك بواحدة، إن اردت شئ فستجدني في مدينة لؤلؤة برادلي.”

*سوووش*

*سووووووش*

*بااا*

“هااا.. هااا..” فقط بعدما غادرت الفتاة و حارسها ركع روبين على كلتا يديه و اخذ يلهث بصوت عالٍ، لقد جاء لينقذ فتاة ضعيفة يهاجمها وحش، لكن انتهى بها الأمر ان يكون تحت رحمة كلمة من تلك الفتاة…

“لحظة… ميلا برادلي؟!”

———–

و هكذا إستمرت حياته للفترة التالية.. يجلس متأملاً ايام متواصلة، احياناً يفتح فمه كأنه فهم شئ ثم يغلقه سريعاً و يعقد حاجبه. يوماً بعد يوم.. شهراً بعد شهر.. بدأ يتعود على دورة حياته الجديدة، يتأمل ثم يذهب للصيد بعدها يأكل و ينام قليلاً.. ثم يعاود الكرة.

اما في مدينة يورا فالوضع إستتب اسرع مما كان يعتقد ، لأنه كان يعيش في عُزلة اصلاً فلم يؤثر بحياة الكثيرين غيابه.. بل معظمهم لم يكن يعلم انه قد غادر الا عندما جائت فتاة مراهقة غريبة الاطوار تعلن انها تتحداه، لكنه لم يجب النداء!

ناداه الكثيرين بالجبان و العار على المدينة و.. و..~ مما دفع الآيرل براين بورتون ان يظهر شخصياً و يعلن ان روبين قد غادر لفترة تدريب مفتوحة و لا يعلم متى سيعود، و قد لا يعود ابداً. إندلعت الاخبار كعاصفة في انحاء المدينة و وجدت طريقها لكامل دوقية ألتون، ليس كل يوم يظهر لهم عبقري كهذا و يختفي من العدم! لكن حتى هذا كان يتم تداوله بين الشبان الموهوبين فقط و سرعان ما هدئ و إختفى اسم روبين بورتون.. فمجرد مراهق في المستوى العاشر لم يؤثر على نظام دوقية يسكنها ملايين البشر!

حاول البطريرك البحث عنه لكنه لم يجد له اثراً.. لأنه لم يخبر احد بوجهته فلم يحاول احد البحث عنه في منطقة الوحوش الخارجية، فتنهد و حاول تناسى الحلم الجميل الذي رسمه للعائلة يوماً.. *هذا الولد كان غبي بقدر ما كان عبقري*

أما أباه فضغط على العائلة لتزيد مصروفه حتى *يزيد إسهاماته* و يجلب المزيد من العباقرة للعالم، و كان له ما أراد~ والدة روبين هى الوحيدة التي حزنت على إبتعاد روبين عنها.. ليس روبين مصدر الأموال او روبين الموهوب.. بل روبين نفسه. إلا انها كانت تُصبر نفسها انه سيعود من اجلها يوماً إن انتظرت بما يكفي.

اما صديقه الوحيد.. او بمعنى أدق الشخص الذي كان يجلس معه لساعة كل بضع شهور.. بيلي بورتون، مكث فترة ينظر للطريق الذي رحل منه صديقه بشوق.. ظل هكذا لبضع اسابيع حتى كانت اخر مرة عندما اغلق قبضتيه بقوة ، جز أسنانه ثم التف و غادر.. لم يكن يعلم احد ما يفكر فيه، لكن هذا الشاب بدى و كأنه قد اخذ قرار مصيري

———————-

مرت عشر سنوات بصمت..

روبين ما يزال جالس أمام نفس الكهف، لكن محيطه قد تغير.. اصبح مفروش بجلود الوحوش التي قتلها و مزين الحوائط برؤوسهم، هو نفسه نبتت له لحية كثيفة على وجهه.

بين كل حين و اخر تأتي صرخة تطلب النجدة، لكنه يتجاهلها بالكامل.

المصادفة التي جمعته مع الفتاة التي دعت نفسها ميلا جعلته حذر جداً من مقابلة اي حد، بداية من ذلك اليوم قرر انه لن ينقذ احد اخر، ففي النهاية من يدخل منطقة الوحوش الخارجية عليه ان يتحمل العواقب بنفسه

الامر كان صعب جداً في البداية، انقطاع الصراخ المفاجئ بعدها صدور صوت نهش اللحم و الإبتلاع كان يقطع قلب روبين، حتى انه أذى نفسه بضع مرات بضرب حوائط الكهف الصلبة حتى دمت يديه من شدة الندم

لكن مع الوقت، تلك الاصوات المرعبة لم يعد بينها و بين زقزقة العصافير اي فارق.

…خلال هذه الفترة روبين لم يتقن شئ بعد، بل ما تزال وجهته غير واضحة و مبلدة بالغيوم .. لم يكتشف دليل عن اي مسار جديد خلال اول عام من التأمل، لذلك قرر ان يمسك بأطراف الخيوط اولاً..يحاول تفقد القوانين الثانوية حتى يجد شئ.. أي شئ.. يتعلق به ليوصله للمسار الذي يطمح له..

حالياً كانت له عدة نظريات في اكثر من قانون ثانوي غير مُكتشف، هذا بالإضافة إلا معيشته القاسية خلال العقد الماضي جعلا قوته الحالية اعلى بكثير من حدود المستوى العاشر.

من Zeus

-+=