اذكر الله//


كيف أبدأ؟ و كيف يمكن لشخص أن يحكي تاريخ العالم؟ بل كيف يحق لي ترك الحروب التي تنذر بخراب الكون وأتحدث عن بضعة فلاحين وحدادين في كوكب صغير؟ بل في عالم آخر وزمكان مختلف! حسنا لا يهم سأختصر قدر الإمكان لذا أنصت إليّ جيدًا فما سأقصه عليك الآن ليس شيئًا قد عهدته قبلًا!..

قديمًا.. قديمًا جدًا وُجد أناسٌ في كون صغير، كل ما يعرفونه هي القرية التي يعيشون بها والمملكة القوية التي تزحف نحو قريتهم بجيشها اخترعت سلاحًا سموه المدفع

امتهن أهل هذه القرية الفلاحة والحدادة وقبلوا مصيرهم كجزء من الماضي بعدما يُغير عليهم الجيش قريبًا.

بينما انشغلت القرية بالزراعة والمقايضة في الأسواق جلس رجل عجوز غريب في بيته منعزلا، لم يكد يخرج من عزلته إلا قليلًا كل يوم حتى يأكل ما جلبه أبناؤه ويتغوط ومن ثم يعود لغرفته المهترءة في منزله القديم

لم يكن الرجل هكذا قبل ثلاثين عاما بل اُعتبر أذكى من في القرية بل وأحسنهم جسدًا أيضا، تأمل فيه أهل القرية خيرا وأرادوا جعله رئيسا عليهم، إلا أنه أصابه فجأة الجنون! جنون المجد! فأخذ يصيح “أشعر بها! الطاقة في كل مكان حولنا! القوة القوة تحيطنا!” ومن وقتها وعلى مر ثلاثين عامًا لم يقل هوسه بل ازداد حتى نسي الناس والحياة خارج غرفته، كما نسِيَه الناس مثلما ينسى الرضيع أباه إن غاب عنه يوما…

جلس العجوز في غرفته مغمضًا عينيه يتأمل الهواء من حوله تارة وجسده تارة، في داخله شيء أخبره أن القوة في الهواء يمكن تخزينها داخله.. داخل جسده!

مر الوقت طويلًا هذه المرة، وبطريقة ما وعكس ما اعتاده -كأنما وجّهه شخص ما- تحكم في ذلك المكان في بطنه، استطاع جذب القوة من حوله وإدخالها جسده!

تغير العالم! عين نائمة في قلب العالم استيقظت! ماجت البحار وثارت البراكين، وزلزلت الأراضين حتى انشقت مغيرة معالم الكوكب إلى الأبد! تغيرت السماء وكأنما أبوابها قد فٌتحت! دوامات بحجم السماء تشكلت! لم يكن في السماء موضع قدم إلا وتغير، الرعد صم الآذان والرعب رجف القلوب! وما أن اكتملت الدوامات حتى تساقط منها مطرًا كالأشباح، ما أن يلمس الأرض حتى يختفي، لم يكن ماءً، بل جوهر القوة!

ارتعب الناس، ظنوا أنه اليوم الأخير! قد فني عالمهم، انقسموا ما بين خائف تحصن ببيته وراجٍ خرج يدعو الإله…

أحس العجوز بما يحدث في الخارج، وأحس أيضا بما يحدث في جسده، لم يقفز من الفرح، ولم يتوقف من الرهبة! بل أكمل كأنما أراد أن يرتوي بعد صوم طويل حتى دخلت عليه زوجه قلقة مرتعبة عليه وقاطعت… قاطعت تدريبه…

ظل الغمام في السماء يومين، وتوقفت حياة كل الأحياء ليومين، لكنها لم تعد أبدا كما كانت، كما عهدها الناس من أمثالك يا عزيزي…

 

———

ألم أقل لك أني سأقص عليك شيئا جديدا؟ هكذا بدأ عصر التدريب في كوكب “تريم” كما أطلق عليه أهله تيمنًا بتريم الرجل العجوز الذي جلب لهم المجد والدمار…

هل تحمست لما حدث بعد ذلك؟ لا شيء فقط أكمل تريم تدريبه حتى المستوى العاشر واستطاع تعليم ابنيه وبضعة من شباب القرية وهزموا الجيش الذي أراد الإغارة عليهم، أرهبوهم بالسحر… بالقوة!

أما ما بعد ذلك فأنت تعلمه جيدا… القوة تجلب الجشع، السلطة تعمي القلوب! أراد كل شاب ممن أدركوا القوة تعليم أهله كيف يحوزون المجد والسلطة وهكذا تسربت التقنية إلى أيدٍ من خارج القرية، أيادٍ لم يجب أن تحصل على القوة…

قُتل تريم وابنان من ابناءه، أُسرت ابنته وزوجه، وحرقت القرية عن بكرة أبيها… قاسٍ أليس كذلك؟ هكذا يسير العالم يا عزيزي الصغير…
ربما كان تريم مجنونًا حقًا بعد كل شيء، ألا تعتقد؟ هناك أشياء يجب أن تظل مجهولة… هذا ما أظنه أنا..

والآاان هل ننتقل لبطل آخر؟ بطل صغير، بطل وُلد بعد فناء تريم بكثير لكنه يعرفه جيدًا…

مرت ستون ألف سنة منذ مقتل العجوز تريم…

تغير العالم.. كل القوى التي حازت طريقة التدرب سيطرت على العالم ومن تأخرت عن الركب اندثرت منذ زمن، تغير اسم القوة إلى “الفن” وتخصصت كل امبراطورية ممن حكموا العالم في فن ظنوا أنه الأفضل

من بين عشر إمبراطوريات تفوّق ستة منهم والأربعة الباقين ساروا في طريق الفناء المحتوم…

إلى أن حدث شيء غير مسار التاريخ… ليس تاريخ الكوكب الوضيع تريم يا عزيزي بل تاريخ الكون!

عاهل الجسد مانسا الجبار أرسل شظية من روحه وتجسد في الكوكب!

لأول مرة منذ نشأته ظهرت روح الكوكب للعيان! تخيل أن أول مواجهة لها بعدما أيقظها تريم كانت ضد عاهل هاهاها،
وقفت أمام تجسيد العاهل خائفة تحاول صده عن الكوكب، لكنها فشلت بالطبع، هو لم يأتِ ليخرب شيئا بنفسه حتى تفعّل الدرجة الثانية من الدفاع، كل ما استطاعت فعله هو تشكيل الغمام مستعدةً لضرب روح مانسا بالبرق لو حاول فعل شيء

أثارت المواجهة بينهما الرعب في نفوس كل الأحياء على الكوكب! لكنها لم تدم طويلا، فقد هدد مانسا بتدميرها لو لم تتوقف

بعدها ذهب مانسا الجبار لأضعف إمبراطورية من بين العشرة وعلمهم بعضا من قوانين الجسد!

لم يعلم أحد لم اختار أضعف امبراطورية، ولمَ نزل بنفسه ولم يرسل أحد جينيرالاته، لكني أعلم وسأخبرك…

هذه الامبراطورية حازت نسل تريم في بعض مواطنيها، مانسا أراد دم ابن القدر تريم…
أليس غريبا؟ دم شخص مات منذ ستون ألف عام جلب عاهلا لكوكب يافع

مرة أخرى يا عزيزي ما حدث بعدها متوقعٌ جدًا… بامتلاكهم لفنون الجسد وولاءهم لمانسا اصبحوا لا يقهرون! زيارة واحدة فقط من مانسا كانت كفيلة بجعلهم إمبراطورية كوكبية بعد ستون عاما فقط.

هم لم يعرفوا مانسا ولم يروا شكله قط، لكنهم قدسوه حتى عبدوه، ومن بعدها وكل مائة عام يصل مبعوثو مانسا للكوكب ليجمعوا القرابين، ويراقبوا نسل تريم بالطبع…

وهكذا مرت مائتي ألف عام أخرى…

———

في منزل كبير مليئ بالزخارف والدفء

“قديمًا، قديمًا جدًا قبل أن نتعلم حتى كيف تكتب الأساطير!” امرأة عجوز طولها ثلاثة أمتار التف حولها الكثير من الصغار تحدثت
“نزلت الملائكة على ظهر أرضنا هذه! لقد باركونا! كنا قبلهم صغار الحجم وضعاف جدا! أعمارنا لم تزد عن مائتي وخمسين عام فقط! هؤلاء الملا..” قاطعها صغير من الصغار “لماذا جاءنا الكثير من الملائكة يا جدتي؟ لم أعطونا القوة؟ هل يمكن أن نراهم؟” سأل الصغير متلهفا…

———

مرت السنون، مرت أجيال كثر، ماتت الجدة وكبر الطفل وصار حكيمًا وبعدها امبراطورًا قتاليا! وبعدها؟ شاخ الامبراطور ومات منذ آلاف السنين، لكن كوكب تريم لا زال صغيرًا، تبقى له خمسون ألف عام أخرى حتى ينتقل للحزام المتوسط، حتى ينضج حقًا!

حدث الكثير في هذه السنوات يا عزيزي الصغير، كيان غامض.. كيان قديم قد حفظ الكون آلاف السنين أُشيع أنه مات! معلومة واحدة خاطئة فقط عن موته قلبت العالم رأسا على عقب! أجل يا عزيزي لقد أصبت! إنه الشيخ الكوني، زولان الصغير

السلام الظاهري اختفى، شحذت كل القوى أسلحتها! بدأت المناوشات بين مجرات الطواغيت لكن الحرب لم تكن قد تأججت بعد… حتى تحرك ذلك الشخص بالطبع… مختار الحرب، مرشح المستبصر، منقذ زولان.. عندها فقط حمي الوطيس وأذنت الحرب بتحرك الطواغيت شخصيا في الحروب!

جينيراله الأقوى، ثيو ملك الظلمة وأمير الظل الغراب الأخرس كان اليد الخفية خلف الستار، الظل المشئوم الذي تحل الحروب حيث يخطو، بابتكارات والده ومن بعده اخته وتلاميذ أبيه استطاع الغراب المشئوم ثيو إعادة تعريف الحرب…

الحرب التي لم يُفلت منها مانسا الجبار وامبراطوريته الجسد المقدس، والآن يا عزيزي لنعد لكوكب تريم الصغير…

“قديما، قديما جدا قبل أن نتعلم حتى كيف تكتب الأساطير!” تحدثت امرأة عجوز طولها أربعة أمتار التف حولها الكثير من الصغار في بيت ضيق متهالك بالكاد ارتفع السقف عن رأسها
“نزلت الشياطين على ظهر أرضنا هذه! لقد لعنونا! كنا مسالمين! منذ جاءوا قُتل المليارات! قبيلتنا فقط تبقت من بين كل الكوكب! وحتى نحن لم نسلم! كل خمسين عاما ينزلوا مجددا فيأسروا أقوى أبناءنا…”

“لم قد يفعلوا ذلك يا عمتي؟” سأل ولد صغير
“هم قتلوا باقي الكوكب حتى تسود قبيلتنا يا صغيري، فقد وهبتنا روح الكوكب تقارب شديد نحو قانون الجسد، دم سلفنا تريم الذي يجري في عروقنا هو لعنتنا وكنزهم” جلست المرأة متعبة، خفت صوتها بينما أكملت “كوكبنا الآن حظيرة للماشية، أرواح شبابنا كأرواح الدجاج والأبقار، كوكبنا مجرد مزرعة للشياطين… مجرد مزرعة…”

وقف الولد الصغير وقد استجمع كل شجاعته “أنا سأحررنا يا عمتي! أنا البطل أثير سأنقذ كوكبنا من الشياطين! سأقتل مانسا عندما أكبر!..”

في هذه الأثناء هبطت مركبات تابعة لامبراطورية الجسد المقدس، لأول مرة نصف أسطول كامل نزل على كوكب تريم يقودهم امبراطور أكبر امبراطورية تابعة لمانسا في الحزام اليافع…

من Weed

Subscribe
نبّهني عن
13 تعليقات
Most Voted
Newest Oldest
Inline Feedbacks
View all comments
الموقر الخالد الحُب العظيم.
1 ساعة

الفصل تحفة أوي ياسطا، خصوصًا إنه رابط الفترة قبل ظهور فنون القتال على الكواكب بالأحداث الحالية، وعاجبني تغيير نظرة سكان الإمبراطورية لمانسا كانت إضافة لذيذة.
أتمنى بس كلام الراوي يكون على لسان حد من المستقبل البعيد كأنه بيحكي قصة، مش لسانك أنت كمؤلف هي مش هتفرق كتير لكن لو على لسان حد من المستقبل هتفتح أبواب كتيييير.
أحسن فصل فيلر قرأته لحد دلوقتي بأمانة وأتمنى تستمر.

thorofen
1 ساعة

تحيه للمعلم

المعلم الحـكيم
1 ساعة
Reply to  thorofen

شكرا 🫂

الشيخ المهمهم
1 ساعة

صراحه انا ما بقدر اعبر أو اقول رايي لما شيء ما يعجبني فقط كل ما استطيع فعله هو انتظار المزيد

المعلم الحـكيم
1 ساعة

أبشر، هناك المزيد

الإمبراطور طبيب التنانين
1 ساعة

اوف جامد فشخ خصوصا وصفك لثيو اسطوري

علي
1 ساعة

فصل جميل، استمر…

مش لاقي اسم 🙂
1 ساعة

إني أرى عظمة تطبخ على نار هادئة 🔥 🔥

الطاغوت الموقر
1 ساعة

نايس

ERROR404
1 ساعة

اهممم

مستيقظ
1 ساعة

عاشش

عمر
24 دقيقة

الفصل حلو و وصفك لثيو جامد فشخ استمر يا معلم

ShadyKing
13 دقيقة

شكرا لأبو المعلمين على الفصل اللي في مستوى التنانين!

-+=