فصل اضافي من فان اجنبي لا علاقة له بمسار القصة//
لم تكن السماء فوق كوكب “فيرا” بذلك اللون البنفسجي العميق والكئيب كما كانت في غابر الأيام. الآن، غدت نسيجاً متلألئاً من الزمرد والذهب المشع، حيث يتموج الشفق القطبي وينجرف بينما تداعب الرياح النجمية المدار المُعدَّل للكوكب. عندما قامت “إمبراطورية البداية الحقيقية” بإعادة تموضع “فيرا” ليكون أقرب إلى “حاضنة النجوم” في قلب المجرة الاصطناعية، حولوا الغلاف الجوي إلى لوحة فنية أبدية. حتى بعد مرور قرون، ما زلت أجد نفسي أنظر إلى الأعلى.
“الشيخ هورين؟”
يد صغيرة شدت طرف ردائي، سحبتني عائداً إلى الأرض. لقد تجمع المبتدئون دون أن ألحظهم—أطفال بالكاد بلغوا العاشرة، خرجوا لتوهم من درسهم الأول في “تاريخ التكامل”. حملت عيونهم نفس المزيج الذي رأيته لأجيال: الخوف، والفضول، وجوع صامت لفهم عالم تغير قبل أن يولدوا.
همست فتاة صغيرة: “قال المعلم أنك كنت قديساً قبل وصول إمبراطورية البداية الحقيقية. هل كان… هل كان الأمر مخيفاً عندما تحركت النجوم؟”
أنزلت نفسي ببطء على المقعد الحجري خارج الأكاديمية، وعكازي يستند إلى ساقي. نبض الألم الوهمي في أسفل بطني قبل أن أنبس بكلمة—ذلك الفراغ حيث كان “مركز الطاقة” ينبض يوماً، مثقلاً بوزن “قوانين الأرض”.
“مخيف؟” قلتُ، وأطلقت ضحكة جافة. “شعرنا وكأنها نهاية العالم. ثم ببطء، أصبح الأمر بداية لشيء أفضل.”
قبل “التكامل”، كان “فيرا” عالماً للمتخصصين. أتقنّا الخنادق والمد الصامت، والجذب الخفي للظلال تحت الأمواج. كنا نمتلك لآلئ نادرة ووحوش حبر تكفي للتجارة عبر الأنظمة النجمية، ومع ذلك كنا نتجمد في الشتاء ونتضور جوعاً عندما ترفض التربة إنتاج الحبوب. كنا أغنياء بالماء والظلال، وعميانًا عن مدى ضيق هذا الثراء في الحقيقة.
كنتُ أنا الأشد عمى بينهم جميعاً.
لم تكن لدي أي موهبة في العناصر التي اقتات عليها شعبي. لا ماء. لا ظل. ما كنت أملكه بدلاً من ذلك هو “الأرض”—كثيفة، عنيدة، وثابتة. وفي عالم مائي، جعلني ذلك دخيلاً.
نجوتُ من خلال شق طريقي الخاص، منقحاً “القانون الثانوي للرمال” حتى استجاب لي وحدي. حبة تلو الأخرى، وطبقة تلو الطبقة، تسلقت. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى المستوى الرابع والعشرين وقد اصبحت برتبة قديس، كنت قد أصبحت شيئاً منافياً للمنطق: سيد للصحراء في عالم من البحار.
ثم جاء “الجندي الذهبي”.
لا زلت أذكر حين رفعت أعظم أعمالي في وجهه—حصن من الرمال المضغوطة، كل طبقة فيه مدعمة بعقود من التنقيح. دفاع عمر كامل قد وصلت به للكمال. لكنه لم يوقف الجندي ولم يبطئه رمحه حتى، المصنوع من جوهر القانون المكثف، اخترق “مركز تجميع الطاقة” خاصتي وكأنَّ عمري لم يكن شيئاً مذكوراً. لم تكن هناك كراهية في عينيه. لم أكن عدواً—كنت مجرد عائق, حطم جوهري ومضى في طريقه.
استمع الأطفال دون مقاطعة، وعيونهم واسعة وصامتة.
في السنوات الطويلة التي تلت ذلك، جاء التغيير بهدوء، قطعة تلو الأخرى. كان “التجار الملكيون” من بين الأوائل. لم يفككوا أنظمتنا؛ بل أكملوها. حبوب خيميائية شحذت التركيز وثبتت الاختراقات في مستويات الطاقة. مصفوفات زراعية موجهة بـ “قوانين الزمن والحياة” حولت التربة العنيدة إلى أرض خصبة. وشوارعنا أضيئت بلهب يشتعل لقرون دون وقود.
لكن “المُشَكِّلون” هم من غيروا نظرتي للعالم حقاً.
راقبتهم يعملون على طول الحوض العظيم، لا يجبرون الحجر على اتخاذ شكل معين، بل يستمعون إليه. كانوا يغنون للجزيئات. رفعوا أبراجاً بلورية تحدت الجاذبية، ناسجين عروقاً معدنية عبر الصخور الحية حتى باتت مدن بأكملها تتنفس مع الكوكب. درسوا بيوتنا القائمة على الركائز ومعابدنا الجيرية، ثم ارتقوا بها—مشيّدين جزراً بدت وكأنها نمت بشكل طبيعي من البحر.
للمرة الأولى، فهمت “الأرض” لا كمقاومة، بل كسند ودعّامة.
لقد قضيت حياتي أحاول أن أكون حصناً. بينما هم كانوا يشيدون الصروح.
بعد فترة طويلة من موجات البناء الأولى، أُعيد تموضع كوكب “فيرا” نفسه—نُقل إلى منطقة ذات نشاط نجمي أكثر كثافة لتحسين تبادل الطاقة والاستقرار البيئي. تكيفت الجاذبية. وتغيرت النجوم. رقصت أضواء شفق جديدة فوق الرؤوس، وبدأت الشعاب المرجانية تحت الأمواج تتوهج، ممتصة الضوء السماوي.
عندما انتهى الدرس، انصرف الأطفال في مجموعات، لا يزالون يهمسون فيما بينهم. بقيت جالساً لبعض الوقت، أراقب السماء وهي تزداد عمقاً نحو المساء. في النهاية، استقر البرد في عظامي، فنهضت وبدأت رحلة العودة المألوفة إلى المنزل عبر شوارع مضاءة بالنيران الأبدية.
إيقاع عكازي على الحجر حملني عبر شرفات وجسور نمت من صخور حية. لم تكن هذه معجزات بالنسبة لي بعد الآن—بل مجرد جزء من العالم اليوم. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى بابي، كان الشفق قد ازداد سطوعاً مرة أخرى، أنهار بطيئة من الضوء تنزلق عبر الجدران.
كانت “إيلارا” تنتظر في الداخل.
وقفت بالقرب من شاشة العرض، لكنها لم تكن تعرض تقارير أو إعلانات. رمز واحد كان يحوم في الهواء—بسيط، دقيق، ولا لبس فيه.
الختم الإمبراطوري.
قالت قبل أن أتمكن من الكلام: “أبي، لقد تم إطلاق مصفوفة ترميم النواة”.
عبستُ قائلاً: “هذا غير ممكن. لا توجد طريقة لإعادة بناء مركز طاقة محطم. في أحسن الأحوال، يمكنك تثبيت الشظايا.”
قالت بلطف: “هذه لا تعيد البناء”.
نظرت إليها, فـتابعت إيلارا: “الإمبراطور هو من ابتكرها. من المبادئ الأولى. لم يكن هناك تصميم لتنقيحه، ولا نظرية لتوسيعها. لم يكن لشيء كهذا وجود من قبل.”
شدت أصابعي حول العكاز. “إذن ماذا تفعل؟”
قالت: “إنها تعيد التكامل. تستخدم مصفوفة موجهة لإعادة كتابة العلاقة بين المركز المتضرر والجسد. يتم إعادة بناء الهيكل المفقود عن طريق تثبيته بأساس متوافق.”
هززت رأسي. “هذا سيدمر المتدرب المانح.”
قالت فوراً: “لن يفعل. كان هذا هو الشرط.”
وسعت العرض الضوئي، فانفردت مخططات دقيقة في الهواء.
شرحت قائلة: “المصفوفة تحرق أساس المانح بأمان وبالكامل. تجرده حتى يعود لحالته الطبيعية دون الإضرار بالجسد، أو بصمة الروح، أو الإمكانات طويلة المدى.”
حدقت في النموذج بدهشة. “الأساسات المحروقة لا تتعافى.”
قالت إيلارا: “تتعافى إذا لم يكن هناك شيء مكسور والمسار يظل سليماً. والتدريب يعيده أسرع مما فعل التأسيس الأولي.”
قلت ببطء: “إذن الثمن… هو الوقت.”
“نعم.”
ملأ الصمت الغرفة.
قلت: “لا ينبغي لكِ أن تعرضي هذا.”
قابلت عيني، بنظرة ثابتة وغير خائفة. “أنت علمتني أن الأساسات توجد لدعم شيء أعظم. أساسي سيعود. أما أساسك فقد أُخذ قبل أن يعرف العالم كيف يعيده.”
التفت نحو النافذة، نحو الشعاب المتوهجة والجزر الشاسعة الصاعدة نحو السماء المضاءة بالشفق. لقرون، عُرِّفتُ بالغياب. ثم بالفهم.
قلت بهدوء: “هذه المصفوفة… إنها لا تسرق.”
أجابت إيلارا: “لا… إنها تستعير.”
زفرت نفساً طويلاً ومرتجفاً حاملاً مزيجًا من الصدمة والفهم.
قلت: “قضيت حياتي أُدرّس ما لا يمكن فعله. إذا قبلتُ هذا… فلن أكتفي بمشاهدة المستقبل فقط.”
اعتدلت في وقفتي, “يمكنني المساعدة في بنائه.”
في الصباح التالي، درّست حصتي الأخيرة, ثم وقفت وللمرة الأولى منذ خمسين عاماً، لم تمتد يدي لعكازي.
قلت وصوتي يرتجف بشيء قريب بشكل خطير من الفرح: “انصرفوا، انتهى الدرس.”
سأل أحدهم: “إلى أين أنت ذاهب أيها الشيخ؟”
نظرت نحو أبراج العاصمة، حيث تلتقي الأرض بالنجوم، وحيث لم تعد الجبال أسلحة، بل أساسات.
قلت: “سألتحق بالمُشَكِّلون. لا تزال لدي بضعة عوالم متبقية لأساعد في تثبيت أركانها.”
بقلم:
Echo’s of eternity
ترجمة: العظمة بذاتها(Al-Qaisi) – المهمهم
تدقيق: weed
الموضوع السابق
جميييل اننا نخرج من وسط الصراعات لاحد الفصول الهادئة كل فترة وحياة سكان الامبراطورية❤️
شكرا على الفصل❤️
🙂😁
صل علي النبي الكريم❤️
أشعر بالغيرة
الفصل جميل♥️
فصل جميل بس ما حيأثر على الرواية باي شكل
فخامة
جيد
Wow
فصل جميل، عجبني اسلوب الفلر لو كل فتره واحد كده هتبقى فكره جميلة❤️